القرطبي
120
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كانت بعد الانسان . وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن الانسان شيئا مذكورا ، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ، ولم يخلق بعده حيوانا . وقد قيل : " الانسان " في قوله تعالى " هل أتى على الانسان حين " عني به الجنس من ذرية آدم ، وأن الحين تسعة أشهر ، مدة حمل الانسان في بطن أمه " لم يكن شيئا مذكورا " : إذ كان علقة ومضغة ، لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له . وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية : ليتها تمت فلا نبتلى . أي ليت المدة التي أتت على آدم لم تكن شيئا مذكورا تمت على ذلك ، فلا يلد ولا يبتلى أولاده . وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يقرأ " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فقال ليتها تمت . قوله تعالى : " إنا خلقنا الانسان " أي ابن آدم من غير خلاف " من نطفة " أي من ماء يقطر وهو المني ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة ، كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه : مالي أراك تكرهين الجنة * هل أنت إلا نطفة في شنه ( 1 ) وجمعها : نطف ونطاف . ( أمشاج ) : أخلاط . واحدها : مشج ومشيج ، مثل خدن وخدين ، قال : رؤبة : يطرحن كل معجل نشاج * لم يكس جلدا في دم أمشاج ويقال : مشجت هذا بهذا أي خلطته ، فهو ممشوج ومشيج ، مثل مخلوط وخليط . وقال المبرد : واحد الأمشاج : مشيج ، يقال : مشج يمشج : إذا خلط ، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم ، قال الشماخ : طوت أحشاء مرتجة لوقت * على مشج سلالته مهين وقال الفراء : أمشاج : أخلاط ماء الرجل وماء المرأة ، والدم والعلقة . ويقال للشئ من هذا إذا خلط : مشيج كقولك خليط ، وممشوج كقولك مخلوط . وروى عن ابن عباس رضي الله عنه
--> ( 1 ) الشنة : القربة .